كان يوماً طويلاً شاقاً، قررت فيه محاكاة ما يعيشه طالبو المساعدات من جحيم زيكيم أقصى شمال القطاع، مشيت ساعتين ونصف تحت الشمس الحارقة، وحين وصلت منهداً خائر القوى، شرعت في الحديث مع الناس، مئات الآلاف هم مرآة مجتمعنا المهشم المنهك، طلاب ومعلمون، أبناء عز هرستهم الحرب ومساكين، أيتام وذوي عزوة، أبناء حلال وأبناء .....،
الجميع يخوض صراع البقاء: «من فم الموت .. من تحت الدبابة طلعت فيه» قال صديقي محمد معلم مادة الكيمياء المبدع وهو يشير لكيس الطحين ، التقيه في رحلة العودة وقد نحل جسده وابيض شعره، وقد كان فيما سبق أزكى الشباب عطراً وأجملهم إطلالة، يعيل الآن إلى جانب عائلته أبناء شقيقه الشهـيـد،
وعليه أن يراوغ الموت يوما بعد آخر ليكون سنداً لهم، أباً مؤتمناً وعماً باراً، في طريق العودة أيضاً وجدت من عاد خائباً ولم يغنم سوى سلامته المؤقتة، ومن عاد مصاباً، ومن عاد محمولاً على الأكتاف، ومن عُبت أشلاؤه في كيس طحين فارغ !
يعي الجميع الثمن ويستعدون لدفعه مربعاً: «قد لا نعود، نموت ونحن نحاول اطعام أطفالنا، أحسن ما نموت قهراً وعجزاً ونحن نسمع بكاءهم جوعاً»، في الطريق أيضاً، ستجد من يتاجر، يبيع ويشتري، ومن خرج ليشتري بأفضل سعر: «مش مستعد أدوس
على قيمي وأخلاقي وأزاحم وأضرب حدا عشان آخذ مساعدة، أنا بنزل أشتري لأني مش قد هيك تجربة»، وهناك من يبذل جسده ليحظى بطعامه: «بحمل عن الناس وبساعدهم وبيعطوني إلي فيه النصيب» قال أحمد وهو يافع يبلغ الـ ١٧ عاماً ..
عدت مع غروب الشمس، في الطريق إلي بيت عديلي للإطمئنان عليه وقد أصيب بعيارٍ ناري في زيكيم أيضاً في تجربة مشابهة، وعلى جانبي الطريق، بيوت عزاءٍ مفتوحة لشبان بعمر الورد قضوا في زيكيم «شهداء المساعدات» خانة جديدة في أصناف القتل، هكذا أضحى الموت مثل ملح الطعام، يرافقنا في كل تفاصيل الحياة، فلتخشع البشرية وتسجد لهذا العذاب الذي يعيشه خلق الله في هذه البقعة المنكوبة من العالم