رسائل من غزة

أرشيف خاص

التجويع كسلاح استنزاف طويل الأمد

الكاتب

عبد الله شرشرة

المكان

محافظة غزة

تاريخ الحدث

2025-04-19

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتب عبد الله شرشرة على حسابها الشخصي على موقع فيسبوك:

لم تعد المجاعة، في سياق غزة، تعني انعدام الطعام بالكامل أو الهزال الجسدي الحاد المصوَّر في نشرات أخبار تتحدث عن أفريقيا . بل أخذت شكلًا جديدًا أكثر تعقيدًا، قائمًا على التحكم الدقيق بالحد الأدنى من الغذاء المتاح، بما يكفل منع المجاعة التقليدية، لكن يخلق بيئة من الإنهاك الدائم والتوتر المزمن، والجوع المنظم.
هذه الاستراتيجية لا تُبقي سكان غزة بلا طعام، بل تُبقيهم على حافة الجوع الدائم، وتعيد صياغة العلاقة مع الغذاء من حاجةٍ إنسانية إلى عبءٍ نفسي يومي. إذ تتمثل في رفع كلفة المواد الغذائية الأساسية – لا سيما الخبز، الذي يمثل حجر الأساس في النظام الغذائي الغزاوي – وتقييد الوصول إلى السكر والمواد الغنية بالطاقة، مع القضاء شبه التام على مصادر البروتين الحيواني مثل اللحوم، الدواجن، والبيض.
في ظل هذه الظروف، وُلدت ثقافة غذائية جديدة، هجينة، تطبخ تحت الحصار. أصبحت التونة بديلاً قسريًا عن الدجاج واللحم، وأُعيد تشكيل أطباق تراثية بمكونات مغايرة: مقلوبة بالتونة، شاورما تونة، قلاية بندورة بالتونة، برغر الفلافل، بل وحتى “برغر اللانشون” المصنع من مواد رديئة الجودة.
نحن أمام واقع لا يُجبر الناس على الجوع فقط، بل على التكيّف مع طعام لا يُشبع الرغبة، بل فقط يسكت الجوع البيولوجي. لم يعد الطعام شهوة، ولا حتى مناسبة اجتماعية، بل فعلَ بقاءٍ قسري، مصحوب بالخوف من نفاد المواد الغذائية الأساسية، حيث يُراقَب كيس الطحين كما يُراقَب نبض الحياة.
هذا النوع من التجويع ليس اقتصاديًا فحسب، بل نفسي بامتياز. هو سلاح استنزاف طويل الأمد، يستهدف الكرامة، الإحساس بالأمان الغذائي، واستقرار الأسرة والمجتمع. إنه شكل من أشكال “الحرب الباردة الغذائية” التي لا تقتل، لكنها تفرغ الإنسان من شعوره بالسيطرة، وتحوّل الخبز من رمز بقاء إلى أزمة وجود.
مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2025-08-02

شارك