رسائل من غزة

أرشيف خاص

عندما تحول تحول الانتظار إلى مأتم!

الكاتب

مالك الشنباري

المكان

مواصي خان يونس

تاريخ الحدث

2025-10-07

اسم الباحث

لقاء السعدي

كتب مالك الشنباري على حسابه الشخصي على موقع فيسبوك:

اليوم، في المخيم، وأثناء انتظار سيارة مياه الشرب –فهي عادة ما تتأخر نصف ساعة عن موعدها– رأيت مجموعة أطفال يتخانقون على الأدوار، كل منهم يدعي أنه جاء أولًا، جمعتهم وجلسنا تحت ظل خيمة، فالأشجار التي لم تقتلها الجرافات جعلناها منذ زمن حطبًا لنارنا.
قلتُ لهم تعرفون أن اليوم يمر عامان على الإبادة؟ في مثل هذا اليوم بدأت هذه المطحنة، ثم أضفت، لأُشغلهم عن الانتظار:
"شو حابين تحكوا؟"

عدل الأول جلسته وقال بنبرة أكبر من عمره:
"يما، قديش كنت فرحان لما عطلونا من المدرسة، يا ريتني ما فرحت، راحت علينا سنتين تعليم وإحنا بالشارع والثالثة عالطريق"
تدخل الثاني:
"بتذكر كنا بدنا نطلع شاليه، أبوي دافع ألف شيكل، عشان أمي كان نفسها تسبح ببركة، ولليوم نفسها يا ويلي"
أما الثالث فصمت قليلًا قبل أن يقول:
"أنا كنت مبسوط أول يوم، كلنا كنا مبسوطين، بس بعد يومين، بالليل أبوي وعمي اختفوا وبعد ست شهور عرفنا إنهم استشهدوا."
تكلّم الرابع بصوت خافت:
"أنا ما بدي اشي بس أخوي اللي مات من الجوع يرجع، أمي لهلقيت وهي نايمة بتحكي: يا ريتني طعميته شقفة مني ولا خليته يموت"
ثم جاء صوت الأخير:
"يا ريتني متت من أول يوم، أختي رجليها تقطعوا، وأمي سافرت معها، وضايل أنا وأبوي وأخوي الصغير لحالنا هان"
نظرت إليهم إليهم واحدًا واحدًا، أي لغةٍ يمكن أن تواسي هؤلاء؟ أي كلامٍ يقال بعد أن قالوا كل شيء؟
كنتُ فقط أريد أن أنسيهم الطابور، فكيف تحول الانتظار إلى مأتم؟

قطع تفكيري زمور شاحنة المياه، معلنًا انتصاره علينا، ونهضوا مسرعين، وعادوا يتخانقون كما كانوا، لربما كان هذا الخناق هو أقل الصراعات وجعًا لما عاشوه، إبادة جعلت من أحلامهم العادية مستحيلة، عادية لكل العالم إلا لهم.

وأنا أقف هناك، أتأملهم، ألعن نفسي مرة، وهذا الكوكب ألف مرة.

مصدر المعلومات
مصدر المعلومة 1

تاريخ النشر

2026-02-21

شارك