لقد كسرني النزوح، وأرهقتني الخيمة أكثر من كل ما فقدت في الحرب، أكثر من الجوع والبرد والخوف، لأنهما جعلت مني مادة دسمة للاستقواء والاستغفال، والتغول من الجميع.
كرهتها لأنهما السبب في ذوبان مكانتي، وحولتني إلى كائن ضعيفا (من وجهة نظر الآخرين) يحتفظ بقيمه وما تربى عليه، ظنا بأني أستطيع الاستمرار دون سقوط.
كرهت الخيمة والنزوح لأنهما أفشلاني في طي ساعاتِ العُمرِ بسلاسة، والركض وراءَ نوميَ الهاربَ ليلَ نهار مِن شدّةِ الأرقِ والبرد، والجوع، واللّايقين.
لأنهما جعلاني وعبرَ أربعٍ وعشرينَ ساعةً مزدحمةً ألهثُ في إطارٍ مِن الزّمنِ المهمل، في المكانِ المهمشِ الّذي لا يعطي أيَّةَ أهميةٍ لحياتنا.
فرحت حين عدت لبيتي بعد سنة ونصف من النزوح، لكن يبدو أنه لا يحلو للزمن إلا أن يتحلل في صدمة جديدة.
الآن أفضل الموت برصاصة أو قذيفة على النزوح.